الثقافة المصرية | فيما ينقضي خريف مضطرب لعام طغى فيه السياسي على ما عداه، يأبى الشتاء إلا أن يحل وهو يحمل في طياته مادة خصبة للنميمة الثقافية في كل المنتديات. ففيما ينتهي المناخ العام للحراك الذي شهده هذا العام ليرتكن نحو ركوده المعهود، ينتهي العام بصخب مكتوم حول ما حفل به الشهر الأخير من مفاجآت في نتائج جائزتين حديثتي العهد على الشارع الثقافي. فالجميع كادوا أن ينسوا موعد إعلان جائزة نجيب محفوظ للرواية والتي تمنحها الجامعة الأمريكية في دورتها الرابعة، خاصة مع التكتم الشديد الذي شاب ترشيحاتها هذا العام. ورغم ما يعتري تقييم البعض لها، بكونها إحدى الجوائز الخاصة البعيدة كل البعد عن مولد عطايا المؤسسة الرسمية (وزارة الثقافة المصرية)، بحكم كون لجنة تحكيمها تحوي عناصر من خارج المشهد الدارج لمحكمي الجوائز الثقافية، كذلك درجة تخصصهم الدقيقة كنقاد وأكاديميين لا تشوبهم شبهة التواطؤ، كذلك طبيعة الجائزة الرمزية ونتاجها من ترجمة مقررة للرواية الفائزة ودخول صاحبها من الباب الواسع لمعظم القارئين للأدب العربي باللغة الإنجليزية. كل تلك العوامل السابقة أكسبت الجائزة رونقاً خاصاً لحائزها، وهو ما كان مقدراً لحائزيها في دوراتها السابقة. إلا أن فوز الروائي يوسف أبو رية هذا العام كسر قائمة التوقعات التي رجحت في حدها الأدنى أسماء روائية أثقل وأكثر إنتاجية حتى وسط مجايليه. المؤكد أن يوسف أبو رية والذي تعمدت إحدى عضوات لجنة التحكيم (د. هدى وصفي) تسريب اسمه منذ فترة طويلة، كان اسماً بعيد الاحتمال، لذا بدت تلك التسريبات للمراقبين بعد إعلان نتيجتها وكأنها بمثابة تحضير نفسي للصدمة الواجبة والمتوقعة عند إعلان النتيجة. ورغم ما أشيع عن سعيه الشخصي الدائم لفرض تواجده في مكتب رئيسة تحرير مجلة فصول النقدية، إلا أن أكثر المتفائلين لم يتوقع فوزه. نحن هنا لسنا بصدد تقييم المسيرة الإبداعية للفائز أو التشكيك في إمكاناته، لكن المؤكد أن ضبابية معايير الاختيار العامة للفائز بالجائزة، تبرز كتساؤل حرج في مواجهة اعتبار جوهري وأساسي هو أن الجائزة، فيما هي تعنى بسؤال تطور الرواية العربية، ومدى إسهام حائزها في ذلك المسار، تعني أيضاً تكريماً لحائزها من حيث كونه مرتبط التقييم بحجم الإسهام الذي قدمه من تحمل الجائزة اسمه. يوسف أبو رية من جيل الروائيين الثمانيين في مصر، والذي يحمل في مقدمة أسمائه نجوماً عدة، من إبراهيم عبد المجيد إلى محمد البساطي، مروراً بأسماء أخرى أقرب إلى تمثيل ذلك المشروع. لكن ثلاثة على الأقل من لجنة التحكيم يتمتعون بدرجة من التواطؤ الشخصي والتناغم في تذوق الأدب هم المسؤولون عن ذلك الاختيار: د. عبد المنعم تليمة، والناقد إبراهيم فتحي، وأخيراً الناقدة د. هدى وصفي، وهم في مجملهم يمثلون هامشاً احتياطياً ومتمرداً على المؤسسة الرسمية. فهل جاءت الجائزة وما حفلت به من مفاجأة ترجيحاً لبعد مؤسسي سار إلى التشكل في هامش المتمردين على المؤسسة الرسمية؟ هذا التساؤل نفسه عاد للمتابعين مع إعلان نتائج جائزة مؤسسة ساويرس الاجتماعية للأدب. فإن كانت جائزة الجامعة الأمريكية قد فاجأت العديد من المراقبين، خاصة مع ما ردده الناقد إبراهيم فتحي في مؤتمر تسلم الجائزة والذي أكد فيه أن لجنة التحكيم ليست معنية بقراءة كل الروايات، ومتابعة كل الروائيين حين تلجأ إلى التحكيم. فإن ذلك المعيار الشخصي للجنة التحكيم "الأمريكية" غير متوفر لجائزة رجل المال الأول في مصر. فقد تقدم للجائزة في شقيها ما يربو على 250 مشتركاً بأعمالهم، وانقسمت الجائزة إلى شقين، الأول جيل الرواد، والثاني جائزة للعمل الأول في كل من الرواية والقصة القصيرة. لجان التحكيم غير المعلومة حتى إعلان النتائج كانت ملمحاً ضبابياً آخر، ومعاييرها المختلطة في الاختيار ربما هي ما أفسد الجائزة في عامها الأول. فالجائزة الكبيرة (وفقاً للجيل) ضمت في لجنة تحكيمها الواسعة تشكيلة من المتخصصين والمتذوقين للأدب، وجاءت جائزتها في الرواية للروائي النوبي (كما يحب ان ينادى عليه) حجاج أدول، بينما ذهبت جائزة القصة للقصاص محمد المخزنجي، وقيمة الجائزة في الفرعين 100 ألف جنية، مما يجعلها أقرب إلى قمة جوائز المؤسسة (جائزة مبارك الكبرى). فيما جاءت جائزة العمل الأول مقسمة إلى أولى 30 ألف جنية، وثانية 20 ألفاً في كل فرع. فاز بالرواية الأولى الروائي ياسر عبد اللطيف عن روايته "قانون الوراثة"، وجاءت الثانية من نصيب الروائي حسن عبد الموجود، فيما فاز بالأولى قصة القصاص هيثم الورداني، والثانية كانت من نصيب القصاصة نسمة يوسف إدريس. المدهش في الأمر أنه، فيما تبدو الجائزة مستقلة عن المؤسسة، وربما جاءت في تشكيل لجانها صدامية مع من اصطفتهم الدولة للتحكيم في مثل تلك الجوائز، فقد رأس لجنة العمل الأول الروائي جمال الغيطاني المعروف بعدائه الشخصي لوزير الثقافة ووزارته، والذي بذل جهوداً حثيثة لفرض وصايته مبكراً على اختيارات اللجنة التي رئسها، حين أصر على فوز أحد الصحافيين العاملين بجريدة أخبار الأدب، لكن جهوده تحقق لها نصف فوز عندما جاء حسن عبد الموجود ثانياً بعد إصرار لجنة التحكيم على فوز لاحق بالأولى على الأقل. ورغم ما اعترى ذلك الاختيار من ترجيح لاستقلال الجائزة عن الدولة (وإن كانت احتلت باختيارات رئيس لجنتها)، فإن ما شكك من البداية في درجة استقلالها هو العلاقة القوية بين رئيس مجلس أمناء الجائزة السيد سميح ساويرس بوزير الثقافة، وهو ما ظهرت نتائجه في احتضان قصر المنستيرلي الرسمي لوقائع الاحتفالية، وتزايد احتمالية تشريف الوزير بتسليم الجوائز. إلا أن المعنى السياسي أصبح مزدوجاً ومتناقضاً مع فوز الروائي حجاج أدول بالجائزة، فلم يستوعب الجميع أن تمنح الجائزة إلى روائي جاء لتوه من واشنطن بعد أن شارك في مؤتمر أقباط المهجر بورقة تحدثت عن تطهير عرقي مزمع للنوبيين في مصر. وهو الأمر الذي دفع البعض ومع تسرب إشاعة فوزه إلى الاستباق بضربة مزدوجة، عندما نشرت أخبار الأدب الورقة التي قدمها في المؤتمر كنوع من الضغط على لجنة التحكيم للتراجع عن اختيارها. ولم يقف الأمر عند حدود هذه الضربة بل طرحت جماعة "أدباء وفنانون من أجل التغيير" الأمر في اجتماعاتها للتحضير لإصدار بيان ضد الجائزة. لكن كل هذه الضربات الاستباقية لم تجد نفعاً مع لجنة الجائزة والتي يبدو أن جائزتها برسالتها السياسية ـ حيث مانح الجائزة أهم كارتيل اقتصادي مصري قبطي ـ أمعنت في تقدير موقف أدول أكثر من إمعانها في مسيرته الأدبية، التي لا تحمل في طياتها إلا موقفاً شوفينياً إيثنياً وضحالة في حجم المنجز الإبداعي، ليس مقارنة بجيله، بل بمقارنته مع مشهد الرواية المصرية الآن في أسوأ حالاته. وهو الأمر الذي دفع الروائي جمال الغيطاني إلى عدم حضور مراسم تسليم الجوائز بعد ان قاد حملة الضربة الاستباقية من الخارج. الملفت للانتباه هو تواطؤ الجميع بالصمت في مواجهة نفاذ رائحة السياسي في ما هو ثقافي بالأساس. خرجت أخبار الأدب دون مقالة رئيس تحريرها الساخنة كما هو متوقع في مثل تلك الحالات. بينما نقلت كل الصحف تلك اللهجة المختالة للروائي خيري شلبي الذي قدم القصاصة نسمة يوسف إدريس بكونها استمراراً لمسيرة أبيها، مع اعتراف الجميع بتدني مستوى كتاباتها التي تبدو أشبه بمذكرات مراهقة. بل وصلت تفخيمية خيري شلبي إلى حد إدعاء أن هيثم الورداني ينتظره مستقبل عالمي في مجال القصة القصيرة. أما آخر كواليس ذلك المشهد فهو مفاجأة أن الروائي جمال الغيطاني رئيس لجنة تحكيم العمل الأول، كان من أحد المرشحين لجائزة الكبار، كما تسربت أقاويل حول مراسلة محمد المخزنجي في آخر لحظة لتفويت فرصة فوز إبراهيم أصلان. المشهد في مجمله مربك. لم يحضر الوزير تسليم الجوائز لنفس السبب الذي دفع مهندسها الأول (الروائي جمال الغيطاني) إلى عدم الحضور. كلاهما اتحدا على رفض حجاج أدول، وخرج المهندس سميح ساويرس ناجحاً في كسب كلا الحسنيين. فهل هي بداية لفساد ثقافي جديد يقوده رأس المال السياسي الذي أفسد الانتخابات الأخيرة؟ ولماذا تتحول المعارضة الثقافية في كل تجليّاتها إلى مؤسسة مريضة ترتكن إلى نفس قوانين ما تعارضه في مؤسسة الدولة الرسمية؟ سؤال مبهم لكنه ربما يبدد عتمة ضباب نهاية مولد الجوائز الثقافية في مصر، وربما هو جدير بأن نلوكه طوال ليال شتاء الثقافة المصرية، والذي يبدو طويلاً وبهيماً.
|
مسلسلات تركية | اجدد
الاغاني | احدث
البرامج |
افلام عربية |
افلام انمي | التوقيع | | 
منك منقهر ولا بقى عندي صبرلا تبرر لي خطاك ما اابي اسمع منك عذر | |